السعيد شنوقة
196
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وقادهم هذا التعميق إلى إثارة علاقة الإرادة بالفعل : هل إذا وجدت الإرادة يعقبها الفعل بصورة حتمية ؟ وهنا قال أغلب المعتزلة بتقدم الإرادة على الفعل المراد إلا الجبائي الذي ذهب إلى أن الإنسان يقصد الفعل في حال كونه ، والقصد لكون الفعل لا يتقدم الفعل ولا يوصف الإنسان في الحقيقة بأنه مريد لأن يفعل « 1 » . وامتدّ إيغالهم إلى النظر في مدى أثر القول بخلق الإنسان لأفعاله المباشرة والمتولدة في نفسية الإنسان من جانب كونه : هل يشارك الله تعالى في الخلق والإبداع ؟ ولعل الجواب في إطار هذه الخلفية يوحي بأن الإنسان يقدر على خلق فعله لأن فعله يقع منه مقدرا بالغرض والدواعي أي بحسب قدرته الذاتية وبحسب دوافعه الداخلية وفق مصلحة محددة تمكّنه من تحقيق ذاتيته . غير أن الله تعالى هو الذي خلق كل ذلك فيه ، وجعله مكلفا ، وهيّأ له أسباب الحياة وظروفها ليحقّق ما كلف به في اختيار الفعل أو تركه . ويترتب على ذلك مدحه أو ذمه وأن من حدث منه الفعل مقدرا بحسب الغرض والأسباب هو خالق قديم أو محدث « 2 » . بيد أن المعتزلة لم يقصدوا عند عدّهم الإنسان خالقا لأفعاله أنه ينازع الله تعالى في سلطانه لأنهم حرصوا على تنزيه الله عز وجل عن كل مشابهة أو مماثلة على الرغم من أنهم بالغوا في التنزيه ، وحاولوا عبر أصولهم الخمسة وما تعلق بها من القضايا الجانبية أن يفسّروا الألوهية على مفهومي التوحيد والعدل لأجل الإنسان للدفاع عن حقوقه في العقل والحرية ، فلم يقصدوا أبدا منازعة الله عز وجل في السلطان ، وإنما أرادوا أنه تعالى خلق في الإنسان قدرة يحدث بها الأفعال ابتداء وتولدا أي أن الإنسان لا يخلق تلك الأفعال من العدم ؛ فقدرة الإنسان التي توهم بالمشاركة هنا لا تتجاوز حدود القادر بقدرة محدثة « 3 » ، يدل على ذلك العقل
--> ( 1 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 2 ، ص 102 - ، 103 وكذا القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 92 وما بعدها . ( 2 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 144 . ( 3 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 91 - 92 - 93 - 94 - 95 ، وكذا ديبور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص ، 88 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 144 - 145 .